خواطر بلال-المحرر
مشكلة مؤرقة
تداول مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، في الأردن مؤخراً قصة تعامل طلبة أحد المدارس مع زميل لهم في أحد أحياء شرق العاصمة الأردنية عمّان، بداعي معاناته من الشذوذ الجنسي، مطالبين بنقله من مدرستهم، حيثُ نُقلَّ لها حديثًا من أخرى، ويعتقد لذات السبب من المعطيات المتداولة-على عدم إمكانية الوثوق بها.
وتعد حالات الشذوذ الجنسي، حالات من تلك التي بُبادئها المجتمع الأردني الرفض والقسوة في التعامل الرافض لها، إنسجامًا مع جذوره الثقافيّة التي تستمد من العرف السائد والمصان بطابع ديني وقيم أصيلة فيه.
المشكلة، أن مثل هذه الحالات بدت تلقى فضاءات تتحرك فيها، ولا أحد يعلم كم حالات الشذوذ الجنسي في المجتمع العربي، والأردني منه، نتيجة ضعف الرصد العلمي، والإحصاء، إلى جانب تحديات أسرية وإجتماعية تعيق توثيق مثل تلك الحالات في مراكز متخصصة هي بالأصل مفقودة.
ولا تزال المجتمعات العربية تنظر بعدم الأهمية لمراكز العلاج النفسي، ومراكز الأبحاث التي من أدوارها معالجة المشاكل والتقرحات التي تصيب المجتمع مع ما يمر فيه من تحولات متعددة الجوانب على شدتها وسرعتها في حياتنا المعاصر.
التشخيص والعلاج الحل لا التلزيق وإغلاق الثقوب
من وجهة نظر علمية، لا يمكن ترك سلوكات الشذوذ الجنسي دون تفسير، فمثل هذه السلوكات مُتأصلة في الغرائز البشرية، ولا يمكن وأدها، وفي الحقيقة أن من مقاصد الشرائع السماوية ومنها الإسلام تهذيب هذه الغريزة لخطورة تركها على عاتقها دون توجيه وتحكم.
بيد أن الشذوذ الجنسي، بات يجدُ من يدافع عنه من باب حقوق الإنسان، وفي مجتمعات ذات سياقات تاريخية وعملياتية مغايرة هدفها تقبل الجميع ومساواة الجميع في تلك المجتمعات.
ولكن وفي مجتمعات مثل الأردن لا يوجد سياق يرفد مثل هذه السلوكات بل وأن المجتمع ذاته يرفض هذا النمط من السلوك، نتيجة غرابته عن العادة المجتمعية، الأمر الذي يجعل من هذا السلوك أمرًا مرضيًا يستوجب العلاج.
الأمر الأكثر إلحاحًا هُنا الإشارة إلى الأسباب التي دفعت ببروز مثل هذه الحالات في مجتمعنا، ومع القناعة بأن مثل هذه السلوكات مكبوتات في الغريزة التي فطر الناس عليها، وروضها عبر الأديان السماوية لاحقًا لحكمة يعلمها هو سبحانه وتعالى، بيد أن التطور الإتصالي وتدفق الثقافات من مجتمعات مغايرة لسياقات مجتمعنا الأردني، دفع بتفجير مثل هذه الغرائز.
تعدد الذي نصحوا بمراقبة الأبناء، ومتابعة ما يشاهدون، وعدم تركهم أحرارًا مع المُربي غير المُربى-أقصد الهاتف، وما يبث من سلوكات لا تقبلها سياقات مجتمعنا، وتقدم الجسد سلع رخيصة على قارعة الطريق، حتى باتت الأسر مهووسة بعرض أجساد أبنائها، ومن ثم متابعة الأفلام الإباحية الوافدة من ثقافات الغرب الذي يسعى لتقبل الجميع ضمن سياقاته المختلفة عن سياقاتنا.
وللأسف مع غياب المتابعة مع المختصين بالتربية، تظهر نماذج الزعران في مجتمعاتنا، وتكثر الجرائم، وقتل الفتيات اللواتي يرفضن الزواج منا، واشكال الممارسات الجنسية الشاذة سواء بيّن الجنسين أو الجنس الواحد-المثلية.
والمشكلة تتعقد، في ظل حالة الجفاف العاطفي، وعدم الإشباع للحاجات العاطفية داخل البيوت، بسلوكات تتسق والتربية الجنسية "الإسلامية تحديدًا"، والروحية والعقلية، كما ويزيد في الطنبور نغمة عدم وجود برامج إملاء وقت الفراغ، وهي مسؤوليات تخلت عنها الدولة والأسرة بكل مؤسساتهما وأدواتهما لصالح هذا الطارئ، المُربي غير المُربى.
وحول حالة الطالب -الشاذ جنسيًا-، كما زعمت المجاميع الطلابية في أحد مدارس عمان الإسبوع الماضي، فإن إجراءات علاجية مطلوبة، تبدأ بتشخيص المشكلة ومعرفة مسبباتها من خلال أخصائيين نفسيين واجتماعيين وتربويين تغص فيها جامعاتنا ولا تستقبلهم مراكز ومختبرات يجب عملها خدمة لمجتمعنا وعلاجا له من أسقامه المتعددة، مع ضرورة أن يكون العمل على مستوى وطني وواضح الهدف.
إذ ما اردنا معالجة المشكلة، علينا تشخيصها ومن ثم التفكير بعلاجات ناجعة، ولكن إسلوب تضميد الثقوب لن تُجدي نفعًا بشكلٍ مستمر، والكثير من الأمور بدأت مُستهجنة في أول ظهورها ثم باتت مقبولة مع مرور الوقت، وحتى لا تكون حالات الشذوذ الجنسي ظاهرة مجتمعية بالمفهوم السوسيولوجي، يجب أن تكون هناك إجراءات عملية تقودها الدولة بمؤسساتها التربوية ومتخصصيها النفسيين والاجتماعيين، ومؤسساتها الدينية ووسائل إعلامها.
